أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

19

التوحيد

مع ما كان الأمر المعتاد بين الملوك بذل الوسع منهم في قهر أشكالهم ليكون الملك للقاهر ، ومنع كل منهم غيره عن إنفاذ حكمه ، وإظهار سلطانه ما استطاع ، فإذ لم يكن - بل نفذ سلطان العزيز الحكيم - ثبت أنه الواحد . وهذا تأويل قوله : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [ الإسراء : 42 ] ، والأوّل على ما أودع قوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] . وأيضا أنه لو كان مع اللّه إله لأظهر الآخر حكمته وفصل فعله من فعل اللّه الحق ليعلم به قدرته وسلطانه ، فإذ لم يفعل بان أنّ اللّه المتوحد بالإلهية والمتفرد بالربوبية ، وذلك معنى قوله : وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] ، وكذلك قوله : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [ الرعد : 16 ] . ثم وجه الاصطلاح يدل على العجز والجهل ، مع ما لو كان كذلك لم يكن الأمر لواحد في نسبه الخلق وتحقيقه له إلا من حيث يقهرهم ويدخلهم تحت قدرته وصنعه ، واللّه الموفق . وأيضا أنه لو كان مع اللّه إله لا يخلو من أن يقدر على فعل يسرّه من الآخر أو لا ، وكذلك اللّه سبحانه منه ، فإن قدرا جميعا ملك كل واحد منهما تجهيل الآخر ، وفي ذلك زوال الربوبية ، وإن لم يقدرا عجز كل واحد منهما ، والعجز يسقط الألوهية ، أو قدر أحدهما دون الآخر فهو الرّب والآخر مربوب ، مع ما كان علم الغيب علم الربوبية ، فمن ليس له فهو مربوب . ثم لا يخلو أيضا من قدرة كل واحد منهما على غيره في منع ما يروم الفعل بغيره ويريده أو لا ، فيكون فيهما إمكان خروج كلّ عن القدرة وتحقيق عجز وذلك يسقط الربوبية ، أو يقدر الواحد خاصة فيكون هو الرب سبحانه . وأما دلالة الاستدلال بالخلق فهو أنه لو كان أكثر من واحد لتقلّب فيهم التدبير نحو أن تحوّل الأزمنة من الشتاء والصيف ، أو تحول خروج الإنزال وينعها أو تقدير السماء والأرض ، أو تسيير الشمس والقمر والنجوم ، أو أغذية الخلق أو تدبير معاش جواهر الحيوان . فإذا دار كله على مسلك واحد ، ونوع من التدبير ، وانساق ذلك على سنن واحد ، لا يتم بمدبرين ؛ لذلك لزم القول بالواحد ، وباللّه التوفيق . والثاني أن الأجناس على اختلافها وتباعد ما بينها من نحو السماء والأرض ، وأطراف الأرض ، وجعل أرزاق أهلها متصلة بالمنافع ، حتى كان كل أنواع الخارج من الأرض يكون بأسباب السماء ، وحاجات كل أهل البلدان منتشرة في جميع الأطراف ، ومعاش البشر مجعول في أنواع المكاسب ، على هذا أمر الجميع ، فلو كان ذلك لعدد ، لم يحتمل أن ترجع منافعها إلى من له العالم من الخلق على اختلاف العالم ، ثبت أن مدبر ذلك كله واحد . وعلى ما ذكرت ، الأوقات من الليل والنهار والساعات ، ودخول